عبد الملك الجويني

206

نهاية المطلب في دراية المذهب

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا مر المار بين يدي أحدكم وهو في الصلاة ، فليدفعه ، فإن أبى ، فليدفعه ، فإن أبى ، فليقاتله ، فإنه شيطان " ( 1 ) . وقيل في تفسير قوله شيطان ، معناه المارّ من شياطين الإنس . وقيل : إنه ليس المقصود من دفعه منعَه ، ولكن الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي وحده ، فإذا مر بين يديه إنسي ، رافقه ، فقوله : " فإنه شيطان " معناه ، " فإن معه شيطاناً " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو علم المارّ بين يدي المصلي ما فيه لوقف أربعين " ( 2 ) وقد اختلف فيه فقيل : أربعين سنة ، وقيل : أربعين شهراً ، وقيل : أربعين يوماً ، وقيل : أربعين ساعة . 921 - فإن قيل : هل من ضبطٍ في الفرق بين العمل القليل والكثير ؟ قلنا : لا شك أن الرجوع في ذلك إلى العرف وأهله ، ولا مطمع في ضبط ذلك على التقدير والتحديد ؛ فإنه تقريب ، وطلب التحديد في منزلة التقريب مُحال ، ولكن كل تقريب له قاعدة ، منها التلقي ، وإليها الرجوع ، فمطلوب السائل إذاً القاعدة التي عليها التحويم ( 3 ) في ذلك . فنقول : الآدميُّ ذو حركات وسكنات ، ويعسر عليه تكلفُ السكون على وتيرة في زمان طويل ، ولا شك أن المصلي مؤاخذ بالخشوع ، والخشوع هو إسكان الجوارح ، ورأى رسول الله رجلاً يعبث بيديه في الصلاة ، فقال : " هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " ( 4 ) . فالقدر الذي يُحمل صدورُه على ضرورة الخلقة والجبلة ، ولا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع والاستكانة مُحتمل ، بل لا بد منه ، وما فوقه إلى

--> = السنة : 822 ، 823 ، وانظر ( الإحسان : 5 / 568 ، 569 ، 2194 ، 2195 ، وتلخيص الحبير : 1 / 457 ) . ( 1 ) حديث : " إذا مر المار بين يدي أحدكم . . . " متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ، في قصة له ، مع تفاوت يسير في اللفظ . ( اللؤلؤ والمرجان : 1 / 100 ح 283 ) . ( 2 ) حديث : " لو علم المار " : متفق عليه ( اللؤلؤ والمرجان : 1 / 101 ح 284 ) . ( 3 ) ( ت 1 ) ، ( ت 2 ) : التحريم . ( 4 ) " لو خشع قلب هذا . . " حديثٌ موضوع . ( ر . إرواء الغليل : 2 / 92 ح 373 ) .